محمد بن وليد الطرطوشي

293

سراج الملوك

الباب الثالث والثلاثون في كتمان السر قال اللّه تعالى حكاية عن يعقوب « 1 » عليه السلام : يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً [ يوسف : 5 ] فلما أفشى رؤياه بمشهد امرأة يعقوب ، أخبرت إخوته ، فحلّ به ما حلّ . وفي الحديث : « استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان ، فإن كلّ ذي نعمة محسود » « 2 » . واعلم أن كتمان السّرّ من الخصال المحمودة في جميع الخلق ، ومن اللوازم في حقوق الملوك ، ومن الفرائض الواجبة على الوزراء ، وجلساء الملوك ، والأتباع . قال علىّ رضى اللّه عنه : سرّك أسيرك ، فإذا تكلمت به صرت أسيره . وأنشدوا : أسيرك سرّك إن صنته * وأنت أسير إذا ما ظهر واعلم : إن أمناء الأسرار أشدّ تعذّرا وأقلّ وجودا من أمناء الأموال ، وحفظ الأموال أيسر من كتم الأسرار ، فإن أحراز الأموال منيعة بالأبواب والأقفال ، وأحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق ، ويشيعها كلام سابق ، وعبء الأسرار أثقل من عبء الأموال ، وإن الرجل يستقلّ بالحمل الثقيل يحمله ، ويمشى به ويقلّه « 3 » ، ولا يستطيع كتم السر . وإنّ الرّجل يكون سرّه في قلبه ، فيلحقه من القلق والكرب ما لا يلحقه بحمل الأثقال ، فإذا أذاعه استراح قلبه ، وسكن جأشه ، وكأنّما ألقى عن نفسه جبلا .

--> ( 1 ) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام : وهو والد النبي يوسف عليه السلام . وإخوته وقصتهم معروفة في سورة يوسف في القرآن الكريم . ( 2 ) الحديث : قال الحافظ العراقي : هذا الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني من حديث معاذ بسند ضعيف ( المغنى عن حمل الأسفار في الأسفار ج 3 / ص 177 ) . ( 3 ) يقله : يرفعه .